محمد بن وليد الطرطوشي
466
سراج الملوك
الأرض ، فإذا طائر قد التقطها لوقتها وبرئ الرجل ، فسبحان من جعل أنف هذا الرجل حرزا لقوت هذا الطائر على بعد الشّقّة والمسافة . وأما أنا : فلما هممت بالرحيل من بلدي « 1 » إلى المشرق في طلب العلم ، كنت لا أعرف التجارة ، ولا لي حرفة أرجع إليها ، فجزعت من الخروج ، وكنت أقول : إن ذهبت نفقتي ما ذا أفعل ؟ وكان أقوى الآمال في نفسي ، أن أحفظ البساتين بالأجرة وأدرس العلم بالليل ، ثم استخرت الله تعالى ورحلت ، وكانت معي نفقة وافرة في هميان « 2 » على وسطى ، وكنت أسمع المسافرين يقولون : ( من نام بالليل في الفيافي ، وله نفقة على وسطه فليحلها ، فإن اللصوص إذا كابرت « 3 » الخلق يبتدرون أوساطهم ) فخرجت من بلاد السويدية « 4 » إلى أنطاكية « 5 » وهي إذ ذاك حرب للروم - فسرينا ليلتنا وأصبحنا على باب أنطاكية ، فأخذتني عيني ، وحللت الهميان ونمت ، ولم استيقظ إلا ضحوة النهار ، فاستيقظت ومددت يدي إلى الهميان فلم أجده ، فجعلت أنظر إلى القافلة ، والتفت إلى الناس - وقد أسقط في يدي - ولم يبق لي حيلة ، فاسترجعت « 6 » ، ورفعت أمرى إلى الله سبحانه وتعالى ، وإذا رجل من أهل القافلة ملتفتا إلىّ ، فوقع وجهي في وجهه ، فإذا هو يضحك لما رأى ما بي ، فقال : مالك أيها الفقيه ؟ قلت : خير ، فراجعنى ، فقلت : خير ، فقام إلىّ وقال : خذ هميانك - عافاك الله - ، فسألته : كيف ظفرت به ؟ فقال : رأيتك « 7 » قد تدحرجت ذراعين أو ثلاثة ، والتفت فرأيت سوادا في الموضع الذي كنت فيه نائما ، فسرت إليه وأخذته ، فإذا هو الهميان ، رحمة الله عليه ورضوانه لديه . * * *
--> ( 1 ) بلد الطرطوشى : هي طرطوشة شرقي الأندلس ( انظر ترجمة المؤلف ) . ( 2 ) الهميان : كيس تجعل فيه النقود أو النفقة ويشد على الوسط . ( 3 ) يقال : كوبر الرجل في ماله أي أخذ منه عنوة . ( 4 ) بلاد السويدية : بلدة في شمال سوريا ( لواء الإسكندرية ) قرب مصب نهر العاصي على المتوسط ، كانت ترسو فيها مراكب الإفرنج ويرفعون منها أمتعتهم على الدواب إلى أنطاكية ( معجم البلدان 1 / 268 ) . ( 5 ) أنطاكية : مدينة على نهر العاصي قرب مصبّه في البحر المتوسط ، من المدن الكبرى في العالم القديم ( معجم البلدان 1 / 345 ) . ( 6 ) الاسترجاع : قول : « إنّا لله وإنا إليه راجعون » . ( 7 ) في ( ط ) : ( رأسك ) قد تدحرجت . .